السبت، 27 فبراير 2016

من الألف إلى الياء...المركزي في دوامة الأزمة .. فلتت الليرة وكشّر الدولار

من الألف إلى الياء...المركزي في دوامة الأزمة .. فلتت الليرة وكشّر الدولار
غموض بعض القرارات وارتجالية بعضها الآخر

من الألف إلى الياء...المركزي في دوامة الأزمة .. "فلتت الليرة وكشّر الدولار"..
يتمثل الهدف الرئيسي لأي مصرف مركزي في المحافظة على القيمة الشرائية للنقود، وذلك على اعتبار أن استقرار الأسعار هو شرط ضروري من أجل تحقيق معدلات أعلى للنمو الاقتصادي المستمر والعمالة، بينما معدلات التضخم المرتفعة كما هو معروف تؤثر سلباً على توزيع الدخل وتؤدي إلى تآكل القوة الشرائية.
وتعتبر السياسة النقدية الأداة الأكثر مرونة لتحقيق أهداف الاستقرار في الأجل المتوسط والطويل،على خلاف السياسة المالية التي لديها أهداف متعددة وتعد رهينة للعملية التشريعية غير المحددة والبطيئة، أما السياسة النقدية فيتم تعديلها بسرعة مع التطور على مستوى الاقتصاد الكلي (Macroeconomic Development)، وبالفعل فان الأسواق المالية تتحسس للمتغيرات في السياسة النقدية قبل أن يتم إعلانها.
قرار بيع المواطنين 10 آلاف دولار لتمويل العمليات غير التجارية
نبدأ بقرار مصرف سورية المركزي الذي وصف بالمتسرع والذي تضمن السماح للمصارف العاملة في سورية وشركات الصرافة ببيع المواطنين 10 آلاف دولار أمريكي شهرياً من العملات الأجنبية الأخرى، وذلك بهدف تمويل العمليات غير التجارية كافة.
تحذيرات بالتراجع عن القرار..وظهور حالات تلاعب
وللدخول في الحيثيات، انطلقت حينها تحذيرات خرجت من المصرف المركزي بأنه إذا استمر بهذه العملية فسيواجه الكثير من الصعوبات، وخاصة حين أعلن البعض من شركات الصرافة بنفاذ القطع الأجنبي لديه والذي كان من المفترض إعادته للمركزي بموجب الاتفاق الذي تم بين شركات الصرافة والمصرف المركزي، ولكن لم تتم هذه العملية وقامت شركات الصرافة بالمتاجرة بالدولار والتلاعب، وتدخل ما يعرف بتجار الأزمات حيث قام الكثير بشراء أكثر من 10 آلاف دولار في أكثر من شهر (المهلة المحددة لشراء المبلغ المحدد).
مشكلات حصلت وإجراءات متخذة
واجه المصرف المركزي آنذاك مشكلة كبيرة، ووقع في مطب لا يحسد عليه، فقد قامت شركات الصرافة بالتلاعب، كما ان المواطنين خالفوا قرار المركزي وقاموا بشراء أكثر من المبلغ المحدد، ما دفع المركزي وقتها لاتخاذ عقوبات إغلاق بحق 27 شركة ومكاتب صرافة فرعية في المحافظات السورية، تراوحت مدتها بين الـ 15 و30 يوماً، "لمخالفتها الأنظمة والقوانين، التي تنظم هذه المهنة"، كما تم توجيه تحذير شديد اللهجة لكل من يتلاعب بقيمة الليرة السورية، ولفت المركزي إلى أن المخالفات المرتكبة تتعلق بعدم الالتزام بالقرارات الصادرة أو المخالفة في بيع أسعار القطع بغير الأسعار المحددة في النشرة اليومية الصادرة.
مطالبة بإعادة مبالغ القطع الأجنبي التي تجاوزت المبلغ المحدد
نتيجة ذلك دعا المركزي المواطنين بضرورة إعادة مبالغ القطع الأجنبية المشتراة بما يتجاوز عشرة آلاف دولار أميركي أو ما يعادلها من العملات الأجنبية في الشهر الواحد، خلال مدة أقصاها 10 أيام، وذلك بعدما تبين أن الكثير منهم لم يقم بذلك، منبهاً إلى أنه سيتم ملاحقة المخالفين و فرض غرامات مالية مع إلزامهم بإعادة القطع المشترى، موضحاً في بيان له أنه بعد تدقيق البيانات لدى المصارف وشركات الصرافة، تبين عدم قيام الكثيرين من المواطنين بإعادة مبالغ القطع الأجنبية المشتراة، التي تتجاوز الحد المسموح به وفق القرار 84 لعام 2010 الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء.

خطوات متأخرة
كان يفترض هنا على مفوضية الحكومة لدى المركزي بتوسيع نطاق مهامها بتطبيق الرقابة على المؤسسات المالية بشكل مكثف وواسع بالمتابعة الحثيثة لشركات الصرافة، وهذا ما أكدنا عليه في عدة مقالات سابقة، وذلك نظراً لتزايد عددها في السوق ما يستدعي تزايد اهتمام المركزي ورقابته لهذه المكاتب وتكثيف جهوده تلافياً للتلاعب بالأرقام والبيانات المالية التي لا تعكس الواقع الذي من والممكن أن تقوم به بعض الشركات، أو قيام المشتري بالشراء من أكثر من شركة صرافة والتي قد تؤدي أن لا يكتشف الموضوع بشكل آني، ويحتاج لفترة، مع ضرورة أن تقوم كافة شركات الصرافة بتدقيق مبيعات القطع الأجنبي "عشرة آلاف دولار" يومياً لكافة المصارف والمؤسسات المالية فيما يتعلق باسم المشتري وبياناته الشخصية والمبلغ المباع وسعر الصرف حسب النشرة المفروضة من المركزي ومعالجة أي خلل في حينه.
المركزي يضع مبررات اقتصادية لمنح القطع الأجنبي
ندخل هنا ضمن سياسة المركزي وقراراته على المستوى الزمني، بحيث طالب المركزي بعد ذلك جميع المصارف المتعاملة بالقطع الاجنبي ومؤسسات الصرافة بإدراج ما يسمى (المبرر الاقتصادي). موجهاً بتدقيق جميع الوثائق الأصلية التي تثبت سبب شراء القطع، بحيث وجه المركزي بإدراج سبب الشراء "المبرر الاقتصادي" ضمن طلب القطع الأجنبي الذي يقدمه المواطن وذلك لكل عملية شراء تساوي أو تتجاوز قيمتها المقابلة خمسون ألف ليرة سورية،


كنا نأمل..ولكن
كنا نأمل أن يكون المركزي قد مارس الدور الرقابي الاحترازي بأن يقوم بفرض الضوابط تلافياً لحدوث أي مشاكل متوقعة، لكي لا يصل لمثل هذا التعامل مع مكاتب الصرافة بفرض عقوبات عليها مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الشركات قد حصلت على موافقات سابقة في ظل انطلاقها، ومن المفترض أن يكون هناك رقابة عليها.
وهنا نتسأل: ماذا كان يفعل موظفو مفوضية الحكومة لدى المصرف المركزي في المرحلة السابقة عندما تم السماح لشركات الصرافة ببيع القطع الأجنبي للمواطنين؟
فلماذا تمّ التأخر في اكتشاف المشاكل التي نشهدها اليوم؟!
وما الفائدة من وجود عناصر رقابية في المصرف إذ لم نكتشف هذه المشاكل إلا متأخرين؟!!
وكان من الممكن توجيه بعض التنبيهات لشركات الصرافة أو التعامل بكتب رسمية نظامية دون الانتظار لهذه المرحلة باتخاذ قرارات وصفت بالقاسية تجاهها وخلق نوع من عدم الثقة.

قرار رفع أسعار الفائدة وحيثياته لغاية تاريخه
في هذا التزامن، قام المركزي برفع أسعار الفائدة على الودائع بالعملة السورية " للمرة الأولى، ووضع ضوابط على سعر الفائدة بالعملة الأجنبية، في خطوة وصفت بأنها ستشكل عبئاً على الاقتصاد الوطني في مرحلة لاحقة، لأن هذه الإصلاحات في جوهرها لا تتناسب مع خطة الحكومة في تشجيع الاستثمار و إقامة المشاريع التنموية.
لامبرر
نؤكد أن حيثيات القرار ما تزال مستمرة حتى تاريخه، فلا مبرر لرفع معدل الفائدة على الودائع دون أن يترافق ذلك بعملية توظيف لهذه الأموال مما قد يجعل من المصارف السورية عبارة عن صناديق نقدية لتكديس الأموال غير الموظفة، باعتبار أن معظمها قام مؤخراً برفع أسعار الفائدة مباشرة على القروض بشكل مرافق ( نتيجة لارتفاع الكلفة)، كما كان لهذا القرار تأثيراً مباشراً على سوق الإقراض الداخلي (Interbank Market) بشكل أدى إلى تعطيل دوره وإبطاء عمله
مطالبة بالتراجع
وبعد ذلك صدر قررا منع الاستيراد، وطالب كثيرون بالعودة إلى ما كانت عليه الأوضاع قبل صدور القرار جراء الضرر الذي قد يلحق بالكثيرين من المستوردين، خاصة وأن صناعيي سورية يعتمدون في إنتاجهم على استيراد بعض المواد الأساسية الداخلة في البنية الأساسية لمنتجاتهم، فكثير من المستلزمات شملها قرار التعليق.
تراجع
استجابت الحكومة السورية لهذه الضغوط، والانتقادات الإعلامية، وألغت قرارها بمنع استيراد المواد التي يزيد جمركها عن الـ5 في المئة، وذلك بعد 10 أيام تقريباً على صدوره، وقد طرحت الحكومة آليات لتمويل المستوردات، ولكن انتظر التجار والمستوردون ووزارة الاقتصاد والتجارة طويلاً بفارغ الصبر صدور التعليمات التنفيذية الخاصة بإجراءات تمويل المستوردات من قبل مصرف سورية المركزي باعتبارها تدون على إجازة الاستيراد لجهة معرفة الآلية التي سيتم فيها تمويل البضائع موضوع الإجازة.
المركزي أمام تحد كبير لاستمرار عملية التمويل..وآخيراً صدور التعليمات
ومع استمرار ارتفاع الأسعار في السوق كان أمام المركزي تحدي كبير في استمرار عمليه التمويل ما دعا الحاكم (أخيراً) لأن يصدر القرار رقم /1515/ المتضمن التعليمات التنفيذية الخاصة بتمويل المستوردات، بأن يسمح للمصارف العاملة المرخص لها التعامل بالقطع الأجنبي بتمويل مستوردات القطاعين الخاص والمشترك من المواد المسوح باستيرادها.
مفاجآت الحاكم مستمرة كالعادة... فكرة مبتكرة تحدث للمرة الأولى في تاريخ سورية .. والعنوان الأبرزت لإجراءات المركزي هو " التراجع"
ولتلبية حاجة السوق من القطع الأجنبي ابتدع حاكم مصرف سورية المركزي د. أديب ميالة طريقة تحدث للمرة الأولى في تاريخ سورية تتضمن ببيع /20/ مليون دولار لشركات الصرافة ضمن مزادات علنية.
وذكر حاكم المركزي في تصريح سابق له أن المركزي يتابع عن كثب تطور الأسعار وحركة العرض والطلب في السوق وسيعلن عن مزادات لاحقة حسب تطور حالة السوق مشيراً إلى أن ارتفاع الأسعار في السوق غير النظامية لا يعبر عن زيادة حقيقية في الطلب وإنما هو نتيجة ما يقوم به البعض من مضاربات لرفع السعر وإثارة الرعب في نفوس المتعاملين واستغلال ذلك لتحقيق بعض المكاسب غير المشروعة.
امتعاض
وقد شكلت مزادات الحاكم امتعاضاً لدى كثير من الشركات التي لم تجد آلية وتصور واضحين لهذه العملية وتخصيص شركات الصرافة بها، مع المطالبة بتوزيع هذه المبالغ ضمن آليات محددة.
مدير شركة صرافة لـ "بورصات وأسواق": لا يوجد تصور للموضوع..ومخالفة نشرة أسعار الصرف و قرار وتعليمات المبررات الاقتصادية
وأكد مدير شركة صرافة لـ "بورصات وأسواق" فضّل عدم الكشف عن اسمه أن معظم الشركات التي قابلها الحاكم لم تلحظ آلية مستقبلية وخطة ممنهجة وتصور واضح من قبل المركزي ولدى الحاكم شخصياً الذي ابتدع هذه الفكرة "الغريبة من نوعها" والقائمة على بيع الدولار بمزادات علنية، كما لا يوجد تصور للموضوع من قبله، مؤكداً مخالفة نشرة أسعار الصرف ومخالفة قرار وتعليمات المبررات الاقتصادية المفروضة والمحددة من قبل المركزي لمنح القطع الأجنبي، ذاكراً أن هدف المركزي حسب مزاعمه إعادة استقرار سعر الصرف أو تغذية السوق ولكن يفترض وجود أسباب موجبة لشراء الدولار، وإعطاء المواطنين احتياجاتهم.
التراجع عن المزادات
تأثيرات هذا الإجراء استدعت إيقاف هذه الفكرة بعد أن ثبت فشلها، وبحسب مراقبون فإنه لا فائدة تذكر من بيع الدولار لشركات الصرافة، فعملية الدولار جاءت بهدف تخفيض الدولار وما نتلمسه هو العكس؟؟ حتى أن سعر الصرف الرسمي للدولار قد تجاوز عتبة الـ 50 ليرة سورية، للمرة الأولى منذ بداية الأحداث التي تشهدها سورية، وذلك بحسب نشرة أسعار الصرف الصادرة عن مصرف سورية المركزي ، بحيث أشار المركزي السوري في تقريره للأسواق المالية على موقعه الالكتروني أن سعر تداول الليرة السورية مقابل الدولار بلغ 50،06 للدولار الواحد، في حين بلغت مقابل اليورو 67,75 ليرة.
وزير الاقتصاد ينأى بنفسه عن فشل أساليب الحاكم: نرعى القرارات ولا نتخذها!
وقد نأى وزير الاقتصاد والتجارة محمد نضال الشعار بنفسه وبلجنة الأزمة الاقتصادية عن فشل أساليب حاكم المصرف المركزي في إدارة ملف ارتفاع الدولار مقابل الليرة!
وبات على حاكم مصرف سورية المركزي د. أديب ميالة اليوم وضع الرأي العام الاقتصادي أمام تفسيرات وإجابات واضحة ودقيقة جرّاء تشبثه بالعديد من الإجراءات المتخذة والتي ثبت فشلها، آخرها "بدعة مزاد بيع القطع الأجنبي لشركات الصرافة " بعد أن تم توقيفها، والبحث عن آلية جديدة تخفف من حدة ارتفاع الدولار في السوق السوداء والذي تجاوز الـ /62/.

تدخل اللجة الاقتصادية
وقد تدخل اللجنة الاقتصادية، فتم الإعلان عن آلية جديدة للتدخل في السوق، ذلك على إثر ارتفاع سعر الدولار في السوق الذي وصل إلى حدود /62/ ليرة سورية، ويكون المركزي بذلك قد انتهى من طرح بيع القطع الأجنبي لشركات الصرافة، في ظل عدم جدوى فكرة المزادات التي جاء بها الحاكم الدكتور أديب ميالة وفعاليتها في تخفيض سعر الدولار في السوق وإنما على العكس قد أدت لارتفاعه، إضافة لتشبث السيد الحاكم في الكثير من الموضوعات التي لم يثبت جدواها وفعاليتها على ارض الواقع؟

الحاكم يتهم تجار العملة بالتلاعب...والصحفيين ب "الجهلة"
قام الحاكم مؤخراً بقذف الاتهامات، فقد تبين للسيد الحاكم بعد مضي 7 أشهر عن الأزمة بأن هناك تلاعباً بسعر صرف الليرة من قبل تجار العملة، وأن المركزي يعمل على اتخاذ كل الإجراءات الكفيلة بضبط سعر الصرف لأنه عامل مهم لحماية الاقتصاد الوطني، دون ان ندرك حقيقة هذه الإجراءات.
كما اتهم ميالة الصحفيين الذين يتحدثون عن وجود تخبط في القرارات التي تصدر عن المركزي واصفين إياها بغير المدروسة وما نجم عنها من تعديل أو تراجع، ووصف ميالة من يتحدث عن هذا التخبط " بالجاهل" ، مؤكداً أن ذلك مرتبط بالظروف الطارئة والراهنة التي تحصل في سورية، بحيث هناك ظروف دفعت المركزي لرفع الفائدة أو تخفيضها، ورفع الاحتياطي الإلزامي او تخفيضه، لذا قام المركزي بإصدار قرارات للتأقلم مع الأزمة.
وبالغ الحاكم في الرد على الصحفيين الذين ينتقدون سياسته النقدية بالقول: ليس من عادة مصرف سورية المركزي الرد على بعض ما يذكره الصحفيون التي يفضل عدم الرد عليها، ونحن نرد على المسائل التي يفترض الرد عليها، إذ كل قرار صدر له جدواه كما تحقق المركزي من جدواه الممكنة.


المركزي يقايض المصارف بالعملات
وفي آخر إجراء للمركزي، صدور قرار مجلس النقد والتسليف بتقديم تسهيلات مقايضة العملات للمصارف العاملة في سورية حيث تقوم تسهيلات المقايضة هذه على شراء المصرف المركزي الدولارالأمريكي أو اليورو من المصرف مقابل إعطائه الليرة السورية آنيا وبيع المصرف المركزي الدولار أو اليورو إلى المصرف مقابل الليرة السورية آجلاً في نفس الوقت. كما يمكن أن تتم العملية بشكل معاكس أي أن يحصل المصرف على القطع الأجنبي لقاء دفعه الليرة السورية آنياً مقابل إعادته القطع الأجنبي وحصوله على الليرة السورية آجلاً حيث يتم الاتفاق على العمليتين في ذات الوقت.
فادي بك الشريف عن جريدة بورصات وأسواق

السبت 2011-12-24

  10:01:32

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق